سياسة

اللابيون والاكراد مقاربة سياسية بين ازمتين

 

 

مشكلة الاقليات واحدة من الازمات التي تؤرّق كثيرا استقرار البلدان في العالم الثالث، في ظل تغييب عامل المواطنة والمساواة بين ابناء البلد الواحد، هذه الامور اوصلت الكثير من بلدان العالم الى حالة اللا تعايش، واجبرت الاقليات الى اتخاذ اساليب شرعية وحتى غير شرعية من اجل الحصول على حقوقها. أزمات من هذا النوع تعتبر مادة دسمة لتمرير التدخلات وشن حروب بالوكالة لصالح هذا او ذاك، وهذه القصة لازالت سارية المفعول حتى هذه اللحظة ولذلك فان الكثير من بلدان الشرق الاوسط مهددة بالتقسيم لأنها ليس فقط لم تبادر لاستيعاب الاقليات بل قامت باضطهادها حتى وصلت الامور الى طريق مسدود واصبحت القوميات حتى لو لم تكن اقلية متضادة في توجهاتها وبينها عداء معلن ومخفي. دراسة حديثة لمعهد كارتر اكدت ان العالم يشهد 146 حربا ونزاعا، تشكل النزاعات الاهلية منها 112 نزاعا والبقية بين الدول.

ولكي لا يكون الحديث في العموميات فقط سوف نتطرق في هذه الوقفة الى مشكلة الاكراد والمقارنة بين تعاطي النخب السياسية مع مشكلة الاكراد وبين تعاطي بلدان اخرى مع مشكلة مشابهة الى حد كبير لمشكلة الاكراد وكيف تم تطويق المشكلة ثم بعد ذلك عاش الجميع بسلام.

الاكراد جماعة بشرية تعيش في رقعة جغرافية وزعتها سايكس بيكو على اربع بلدان هي العراق، ايران، تركيا وسوريا في كل بلد من تلك البلدان الاربعة هناك اقليم كردي بمواصفات سياسية واقتصادية خاصة.

لقد عانى الاكراد كثيرا من حكومات البلدان الاربعة مما اضطرهم الى انتهاج اسلوب مسلح من اجل الدفاع عن قضيتهم ودخل تحت لافتة ذلك النضال المشروع وغير المشروع. هناك جماعة بشرية في الدائرة القطبية تشابه مشكلتها كثيرا مشكلة الاكراد .. تلك الجماعة هي شعب اللاب او السامه وهم جماعة سكنوا رقعة جغرافية واحدة تسمى اللابلاند في الدائرة القطبية، لكن تلك المساحة الجغرافية موزّعة بين فنلندا، النروج، السويد، واجزاء بسيطة من روسيا. يتراوح عدد نفوسهم من 50 الف الى 100 الف نسمة منقسمين على البلدان الخمسة يعيش منهم 30.000 في شمال النرويج، 17.000 في شمال السويد، 4.700 في شمال فنلندا و 2000 في شبه جزيرة كولا الروسية. وان كان الجزء الاكبر من حيث المساحة من لابلاند يقع ضمن الاراضي الفنلندية، حيث تنتشر المرتفعات في الشمال بل هناك القمة الفنلندية الاعلى وتسمى هالتياتونتوري التي يبلغ ارتفاعها 1.324 مترا.

المساحة الجغرافية التي ينتشر فيها اللابيون واحدة لكنها موزعة بفعل السياسة .. تلك السياسة التي جعلت حكومات المنطقة تتعاطى معهم بداية بشيء من التعسف، وطريقة فيها تجاوز على هويتهم وثقافتهم فمنعوا من الحديث بلغتهم الام ومن التعليم بها، لكن تلك الحكومات في اسوأ الاحوال  لم تتعامل معهم كما تعاملت الحكومات الدكتاتورية في عالمنا الثالث مع الاقليات بل وحتى غير الاقليات. ثم بعد ذلك انفتحت الحكومات الاسكندنافية على الساميين ومنحتهم حقوقهم شيئا فشيئا، حتى اصبحوا يتمتعون بكامل حقوقهم ولهم مدارس خاصة وطقوس وهوية تعبر عن كيانهم الخاص ولكن تلك الهوية تنسجم بالمجمل العام مع الاطار العام لهوية الدولة التي ينتمون اليها. لقد اصبح لهم يوم وطني (السادس من شباط ) خاص بهم يحتفى به في جميع البلدان الاسكندنافية.

ان المقاربة بين هاتين الجماعتين البشريتين من حيث طبيعة المشكلات التي دارت بينهما وبين المحيط الذي تعيشان فيه وكيفية تعاطي بلدان المنطقة مع هذه الازمة وخارطة الطريق التي وضعت لهذا الموضوع من شأنه ان يساهم في خلق تصور جديد لمشكلة الاكراد في منطقة الشرق الاوسط. صحيح ان هناك فوارق وان نسخ التجربة امر ليس بتلك السهولة لكن الاستفادة من تجارب الاخرين في ازمات من هذا النوع خطوة في بداية البحث عن حل خصوصا وان وجوه التشابه تكاد تكون كبيرة جدا خصوصا من حيث المعطيات الجغراسياسية.

ان بساط الجليد المتلألىء هناك في لابلاند تذيبه حرارة الصيف المعتدلة كل عام كذلك جبال كردستان فإنها تكشف نفسها للطبيعة في الصيف وتلبس حلة خضراء، وكما سارت الامور على ما يرام هناك فلماذا لا تتكرر التجربة ونغلق ذلك الملف الشائك.. ومن خيوط الفجر القطبي الذي يظهر جليا في لابلاند بأقواسه الرائعة الجمال وانكساراته الكرستالية التوهج قد يلوح خيط يضعنا في الاتجاه الصحيح.

جمال الخرسان

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى