سياسة

الورقة الفنلندية في الصراع الألماني الروسي

 

 

 

يمتد الصراع الألماني الروسي الى حقب زمنية مختلفة بالنسبة لروسيا القيصرية والسوفيتية وكذلك من جهة المانيا بخرائطها وتقسيماتها المتغيرة، الصراع بين الجانبين يبدو واضحا في منطقة منطقة البلطيق وتتعامل هاتان القوتان بان جزءا كبيرا من تلك المنطقة يمثل مساحة نفوذ لاحدهما بالضرورة، تاتي هذه الوقفة لرصد صراع الجانبين وانعكاساته على فنلندا بالدرجة الأولى.

هذا البلد الصغير الذي توارث الصراعات الدولية حوله من الصراع بين روسيا والسويد في القرون الوسطى والمرحلة التي تلتها الى صراع روسي المانيا في العصر الحديث، روسيا وبعد ان احتلت فنلندا عام 1809 كانت تجد في المانيا ندا لها يعيق نشاطها السياسي والعسكري في بحر البلطيق، اما المانيا فترى في احتلال روسيا لمساحة كبيرة مثل مساحة فنلندا التي تمتلك شواطئ طويلة ومفتوحة شمال البلطيق يهدد المصالح الألمانية. الصراع بين الجانبين ينعكس سلبا عادة على الاستقرار في فنلندا، والتفاهم بين الجانبين أيضا لا يمنع من تطور الاحداث نحو الأسوأ، ففي هذا الاطار يمكن رصد مرحتلين مهمتين تشكلان نقطتي ارتكاز في مجمل الصراع.

المرحلة الأولى: معاهدة بريست ليتوفيسك 1918

انعكست التحولات في الحرب العالمية الأولى بشكل واضح على فنلندا، الحرب ساهمت بمزيد من الاحتقان الشعبي في روسيا القيصرية بسبب الهزائم التي تعرضت لها روسيا إضافة الى ان البلاشفة كانوا ضد تلك الحرب واعتبروها حربا لصالح الأغنياء والقوميين، ذلك أدى الى قيام الثورة البلشفية عام 1917 بقيادة لينين، هذا الأخير وعد الفنلنديين برد الجميل لهم حينما احتضنوه أيام نضاله ضد القياصرة بان يمنحهم الاستقلال وهذا ما حصل بالفعل فاستقلت فنلندا عام 1917. استقلال فنلندا وان بدأ بتنسيق فنلندي مسبق مع لينين انسجاما مع اهداف ثورته لكنه ترسخ بشكل كلي في معاهدة “بريست ليتوفيسك الموقعة في آذار 1918 بين قيادات الثورة الروسية وبين المانيا)، حيث نصت الاتفاقية على تأكيد استقلال مجموعة من البلدان بينها فنلندا عن روسيا وضرورة انسحاب القطعات العسكرية الروسية بشكل كلي من فنلندا بما في ذلك الاسطول البحري. الثورة الفتية ارادت تخليص روسيا من فاتورة الحرب الباهضة والبدء بمرحلة جديدة من السلام بحثا عن الاستقرار الداخلي لبلد مثل روسيا يعيش تحولا سياسيا غير معهود، ولذلك وقعت هذه الاتفاقية. وكما عززت هزيمة روسيا والثورة فيها استقلال فنلندا فان هزيمة المانيا عززت المنحى الجمهوري في هذه البلاد،

كانت المانيا تريد استغلال لحظة الارتباك الروسي وتضع يدها على فنلندا، ارادت تعزيز نفوذها عبر الدفع بالتيار الملكي الى الواجهة في فنلندا، خصوصا بعد انتصار المعسكر الأبيض المدعوم من قبلها في الحرب الاهلية الفنلندية التي وقعت بين كانون الأول وايار عام 1918، سيما وان اهم عناصر القتال في معسكر البيض كانت كتيبة ياكريت التي تم تدريبها في المانيا ابتداءا من العام 1915 بهدف مقاومة الاحتلال الروسي وحينما عادة وجهت بنادقها الى المعسكر الأحمر بحجة انه امتداد للنفوذ الروسي في فنلندا.

طيلة فترة الصيف عام 1918 بدا اسم الملك الألماني على فنلندا يطرح بين النخب الفنلندية، وفي 9 تشرين الثاني انتخب البرلمان الفنلندي الأمير الألماني فردريش كارل أمير هسن “Friedrich Karl” صهر الإمبراطور الألماني فيلهلم الثاني ملكاً لفنلندا باسم فاينو الأول “Väinö I”، لكن هزيمة المانيا في الحرب العالمية الأولى ساهمت بتراجع التوجه الملكي وصعود التيار الجمهوري في فنلندا. فتم التخلي عن الفكرة في 14 كانون الأول عام 1918 وانتخب الرئيس الفنلندي الأول عام 1919. ليبقى التاج الملكي رهينة المتاحف كجزء من تاريخ البلاد، التاج الذي كان من المقرر ان يتوّج به الملك على فنلندا معروض في متحف مدينة كيمي الواقعة شمال غرب البلاد،

وفي اطار عام يمكن القول بان تراجع حظوظ روسيا في الحرب العالمية الأولى وقيام الثورة البلشفية ساهم باستقلال فنلندا لكن بنفس الوقت فان انعكاس نتائج الحرب العالمية الأولى على المانيا ساهم بانتصار التيار الجمهوري في فنلندا على حساب التيار الملكي.

 

ـ حركة “لابوا” و”تمرد مانتسالا” عام 1932 … حينما كانت فنلندا على وشك خوض حرب أهلية جديدة

 

في نهاية العشرينات من القرن الماضي تاسست حركة سياسية يمينية فنلندية تحت مسمّى “حركة لابوا” او “Lapuan like”، بهدف تعزيز النشاط السياسي لليمين وترسيخ مكتسبات الحرب الاهلية، ومناهضة النشاط السياسي الشيوعي والذي يمثل بحسب قناعة الحركة امتدادا للنفوذ السوفيتي في فنلندا.

بدى واضحا بان ان حركة لابوا متاثرة جدا بالنشاط المتطرف للحركات اليمينية في أوروبا وخصوصا ما يجري في إيطاليا وألمانيا، كانت متاثرة بالفكر الموسوليني والنازي من جهة ومن جهة أخرى التحذير من نشاط الحزب الشيوعي الفنلندي ” Suomen Kommunistinen Puolue” الذي تاسس في العشرينات من القرن الماضي والمعروف اختصارا بـ SKP، الحزب يرتبط بالحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي، هذا الحزب كان يتحرك في صفوف أحزاب فنلندية يسارية، ويشارك في الانتخابات وحصل على مقاعد برلمانية. الشيوعيون قاموا بتنظيم بعض الإضرابات والاحتجاجات في المصانع في العشرينات من القرن الماضي، كل هذه الظروف أدت الى زيادة الاحتقان في صفوف البيض والحركات اليمينية المتطرفة. هذه الأخيرة ومنها حركة لابو كانت تعتبر ذلك تهديدا للهوية الغربية في فنلندا وعودة للنفوذ الروسي من خلال النشاط الشيوعي.

الحركة استثمرت سوء الأوضاع الاقتصادية عام 1929 وقامت بتسيير سلسلة من المظاهرات والاحتجاجات.  بدايات الحركة كان مقتصرا على النشاط السياسي والإعلامي لكن الأمور تغيرت لاحقا للتوج الحركة نشاطها بـ”تمرد مانتسلا” المسلح والذي كاد ان يعيد فنلندا لمرحلة الحرب الاهلية التي حصلت عام 1918.

حيث قام مئات المسلحين التابعين لحركة ابوا يوم 27 شباط عام 1932 باقتحام تجمعا للاشتراكيين في مدينة مانتسالا واحتجزوا المتواجدين فيه، بموازاة ذلك تحرك جمهور الحركة المسلح في العديد من المدن منها فاسا، صالو، بوري وسينايوكي ومدن أخرى، وقاموا بالاعتداء على بعض الشيوعيين وتحطيم مقراتهم. الحركة كانت تطالب باستقالة الحكومة واجراء تغيير شامل في المسار السياسي الذي كان في تلك الفترة بصدد فسح المجال لليسار لممارسة نشاطه السياسي بحرية اكبر، كانت الحركة تطالب بطرد الشيوعيين من المشاركة في الحياة السياسية. لكنها بعد ان أعلنت قناعاتها المتطرفة واستخدمت السلاح عزف عنها الشارع الفنلندي وعزلت الى حد كبير.

الأوضاع غير المستقرة استمر حتى الأسبوع الأول من اذار نفس العام حيث اذاع الرئيس سفينهود خطابا عبر الإذاعة دعا فيه للسيطرة على نشاط تلك الحركة التي قادها بالأساس الناشطان في الجمعيات الفلاحية “فيهتوري كوسولا”، و”فيهتوري هيرتوا”، إضافة الى مدير البنك “ليفاري كوفيستو”، ولاحقا انضم لهم قيادي سابق في رئاسة الأركان الفنلندية. الملفت ان احداث مانتسالا التي تقف ورائها تلك الحركة كانت سببا في تأسيس صحيفة “التا صانومات”، وذلك لان رئيس تحرير صحيفة هلسنكي صانومات “الياس ايركو” أراد ذراعا إعلاميا آخر يغطي الاحداث المتسارعة آنذاك والتي لم تكن تكفيها صحيفة تصدر صباح كل يوم فتاسست صحيفة أخرى مسائية باسم “التا صانومات”.

 

 

المرحلة الثانية: أو اتفاق مولوتوف-ريبنتروب 1939

عقد الاتحاد السوفيتي والمانيا اتفاقية “مولوتوف-ريبنتروب” عدم اعتداء في آب عام 1939، نصت الاتفاقية على بقاء المانيا والاتحاد السوفيتي على الحياد اذا ما تعرض أي منهما لهجوم من قبل طرف ثالث، والمثير للجدل ان الاتفاقية تضمنت بنودا سرية بموجبها تقاسم الطرفان النفوذ في منطقة البلطيق واروبا الشرقية، حيث أصبحت جمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا، استونيا ولاتيفيا) تحت السيطرة السوفيتية، إضافة الى جزء من بولندا. الاتفاقية تضع فنلندا تحت النفوذ السوفيتي، بموجب تلك الاتفاقية وجه الاتحاد السوفيتي انذار لبلدان البلطيق بضرورة انشاء قواعد عسكرية سوفيتية على اراضيها، قبلت تلك البلدان ورفضت فنلندا العرض. فشن الاتحاد السوفيتي حربا على فنلندا في المقابل خسرت تلك البلدان استقلالها وتحولت الى دول شيوعية. ان الاتفاقية التي استمرت حتى العام 1941 مهدت لحرب الشتاء السوفيتية على فنلندا والتي عانى فيها الجيش الأحمر كثيرا.

 

مرحلة ريتسو ريتي العصيبة

الرئيس الفنلندي ريستو ريتي وصل المنصب بعد ان انتهت للتو حرب الشتاء بين الاتحاد السوفيتي وفنلندا والتي استمرت عدة اشهر، الحرب كانت جزءا من الصراعات العسكرية اثناء الحرب العالمية الثانية. وما ان وقّع الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية اتفاقية عدم الاعتداء في آب 1939 والتي تتضمن ايضا بروتوكولاً سرياً يقسم بلدان أوروبا الشرقية إلى مناطق نفوذ بين الجانبين، ووقعت فنلندا ضمن مجال النفوذ السوفيتي، ما ان حصل ذلك حتى اخذ الاتحاد السوفيتي يكرر مطاليبه بضرورة تخلي فنلندا عن بعض المساحات من اراضيها لصالحه وان تقبل فنلندا تأجير بعض الجزر، وبعد رفضت فنلندا تلك المطاليب وحاولت الوصول الى حلول تسوية بين الطرفين حاول الاتحاد السوفيتي افتعال حوادث اعتداء على الحدود لكي يجتاح فنلندا وهذا ما حصل بالفعل. حيث بدأت الحرب في 30/11/1939 وانتهت في 12/3/1940. انتهت الحرب بمعاهدة موسكو التي نصت على الحاق جزء من المساحة الفنلندية الى الاتحاد السوفيتي.

حينما وصل ريتو ريتي الى الحكم لازال القلق من الاتحاد السوفتي مسيطرا على الأجواء السياسية. إضافة الى الحلم بإعادة ما استقطع من أراضي فنلندا. ذلك ما دفع ريستو ريتي الى عقد اتفاق مع المانيا عام 1944 تلتزم فنلندا بموجبه بعدم خوض فنلندا اية مفاوضات سلام مع الاتحاد السوفيتي بدون ضوء اخضر الماني، في مقابل ذلك ترسل المانيا قوات عسكرية من اجل الدفاع عن فنلندا. إضافة الى قيام المانيا بتدريب كتيبة فنلندية مؤلفة من حوالي 1400 فردا من اجل الدفاع عن البلاد تجاه الغزوات السوفيتية.

 

 

ذلك ما اشعل فتيل الحرب من جديد ودفع استئناف الجزء الثاني من الحرب مع الاتحاد السوفيتي منذ حزيران عام 1941 وحتى أيلول عام 1944 سميت بحرب الاستمرار. فنلندا كانت تخوض الحرب في معسكر هتلر، اذ شاركت بحصار سانت بطربورغ، وفي نهاية الحرب خسرت المعركة ودفعت تعويضات تقدر بحوالي 300 مليون دولار الى الاتحاد السوفيتي إضافة الى خسارتها لمنطقة كاريالا، ناهيك عن شروط أخرى فرضت على فنلندا بموجب اتفاق باريس للسلام عام 1947.

ريستو ريتي اضطر للاستقالة صيف العام 1944، وقدم للمحاكمة بمعية سبعة اشخاص اخرين حيث تشكلت بعد الحرب محكمة فنلندية خاصة لمحاكمة المسؤولين عن الحرب والخسائر التي تعرضت لها فنلندا، المحكمة كانت باشراف فنلندي لكن مع رقابة دولية. صدرت احكام ادانة مختلفة على جميع المتهمين، فيما كان الحكم على الرئيس بعشر سنوات اشغال شاقة.

واجمالا يمكن القول ان فنلندا خسرت الحرب العالمية الثانية ولكنها بقيت دولة بهوية غربية غير خاضعة للسياسات السوفيتية كما حصل مع بلدان البلطيق الأخرى او أوروبا الشرقية.

في مراحل لاحقة خفت وتيرة الصراع وخصوصا بعد تقسيم المانيا الى شطرين، وبقيت الحال على ما هي عليه حتى السنوات الأخيرة، سيما وان التفاهم الروسي الألماني بدى واضحا في مجال الطاقة وهذا ما انعكس إيجابا على الامن الجيوسياسي الفنلندي. لكن الأمور قد تتغير في المستقبل وتعود الحال الى ما كانت عليه.

جمال الخرسان

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى